
أشرعتُ ساريةَ الترحالِ يا وطني * وطفتُ أبحثُ عن عمقٍ يساكنني
ورمتُ أصلَ جذوري كي تحدثني * عن عينِ ملهمتي ، لكن أتفهمني ؟
لمَّا أزلْ فوقَ أحلامي أجدِّفها * في موجةِ التيهِ بالإيمانِ والشجنِ
لمّا أزلْ بينَ أسرارِ الحياةِ فتىً * أصحو وأغفو على بينٍ يُؤرِّقني
أحيا وأرقبُ في الدنيا حقيقتها * ورحلةُ العمرِ يومًا سوفَ تقذفني
في لجةِ الموتِ ، في صمتٍ أضجُّ بهِ * في خيبةِ الوهمِ ، في الذكرى على كفني
أهذهِ الشمسُ ؟ كمْ مِنْ مَرَّةٍ طلعتْ * عليَّ في حلَّةِ الأوهامِ والحَزَنِ
أهذهِ سحنةِ الليلِ التي اتَّشحتْ * سوادَها البائسَ المنهوكَ في سُنني؟
أهذه رعشةُ الأنواءِ في حلكٍ * منَ الأماني ؟ وأنّى سوفَ تعرفني ؟
أنا الشريدُ وأوطاني مؤطرةٌ * بالحقدِ والبغضِ والأوجاعِ والرسنِ
أنا الطريدُ على أرضي وحاضنتي * وها هيَ البومُ والغربانُ تتبعني
ما حيلتي وغِراسي باتَ في وطني * غريبَ حقلٍ غريقٍ في أذى الأسنِ ؟
ما حيلتي وربوعي اليومَ تنكرني * كأنني لمْ أناغيها على الفننِ ؟
ما حيلتي وصدى صوتي يغافلني ؟ * ما عادَ لي أملًا قدْ ظلَّ يصحبني
هنا حبوتُ على الأحلامِ في شغفٍ * فكيفَ أصبحتُ مشلولًا على الردنِ ؟
هنا لمستُ حنانَ الشمسِ في صغري * فأينَ دفءُ صباحِ الأمسِ في بدني ؟
ما زلتُ أُكْذِبُ عيني إذْ بصرتُ بها * حقيقةَ الوطنِ المسلوبِ في الغَبَنِ
كانَ الربيعُ على أهدابهِ حلمًا * حقًا ، تهادى على غيمِ الهوى الهَتَنِ
كان انفعالُ طلوعِ الفجرِ يُشبههُ * في الطهرِ ، في الوجنةِ الحمراءِ تسحرني
تسيلُ فيهِ بفيضِ الحبِّ أنهرهُ * واليومَ تحسبهُ إيحاءةُ الوهنِ
ممزّعُ الروحِ في رقٍّ يسربلهُ * بالهمِّ والغمِّ والأحزانِ والخَبَنِ
ما زالَ ينكرني حتّى بدوتُ له * في دمعةِ القهرِ ملءَ الكونِ تحرقني
فعادَ باللوعةِ الأولى ليذكرني * وأسبلَ الدمعَ في أرضي ليحبسني
لكنَّ قسوةَ ما أخفاهُ تقتلهُ * فلمْ يشأْ ليَ بالأوجاعِ تقتلني
فأغمضَ العينَ في الآلامِ يحبسها * وعادَ في حالكِ الأيامِ يُنكرني
وعدتُ في زمنِ النسيانِ أندبه * ودَّعتكَ اللهَ رغمَ البينِ يا وطني




